
المقالة الثالثة والعشرون
لقاء التزامات الطرفين
في هذه المقالة وغيرها ستتبعها سنتناول بالبحث أحد الأركان الرئيسية للعقد في القانون الإنكليزي ألا وهو اللقاء المتبادل للالتزامات أي ما يقدمه كل من الطرفين كبدل (سواء مادي أو معنوي) للطرف الآخر لقبول هذا الطرف الدخول في العلاقة التعاقدية. وهذا البدل للالتزامات المتبادلة يطلق عليه باللغة القانونية الإنكليزية تسمية
Consideration
ومن المهم الإشارة قبل البدء في بحث مفهوم البدل في العقد الى أن العقود المنظمة بصيغة السندات الموثقة لا تتطلب تقديم بدل من أي من الطرفين. ولا بد من الإشارة أيضا الى أن البدل هو ثمن الوعد الذي يقدمه كل من الطرفين.
على سبيل المثال، اذا وعد زين باعطاء مليون جنيه إسترليني الى عمر فان عمر لن يتمكن من انفاذ هذا الالتزام اذا لم يقم عمر بتقديم شيء ذات قيمة اقتصادية الى زين. واذا وعد زين ببيع سيارته من عمر بمبلغ ثلاثة آلاف جنيه إسترليني ووافق عمر على شراء السيارة بالثمن المذكور فقد قدم كل منهما وعدا للآخر. كل منهما قد تلقى منفعة اقتصادية وتحمل “خسارة”. الوعد بتسليم السيارة الى عمر هو “خسارة” لزين ومنفعة لعمر ووعد سداد مبلغ ثلاثة آلاف جنيه إسترليني الى زين هو “خسارة” لعمر ومنفعة لزين
وعلى الطرف الذي يحاول انفاذ وعد أن يكون قد تحمل “خسارة”. وهناك ثلاث فئات من البدل وهي علو الوجه التالي
1-البدل التنفيذي وهو بمثابة وعدين متبادلين كما في مثال السيارة أعلاه
2-البدل المنفذ وهو عمل (أو امتناع عن عمل) لقاء الحصول على وعد. على سبيل المثال، يقوم عمر بوعد زين بأن يسدد له مبلغ ثلاثة آلاف جنيه إسترليني لشراء سيارته ويقوم زين بترك سيارته أمام منزل عمر ليستخدمها هذا الأخير
3-البدل السابق وفي هذه الحالة يقوم زين بعمل يستفيد منه عمر وفيما بعد يقوم عمر بوعد زين بأنه سيسدد له مالا لقاء هذا العمل. على سبيل المثال، يترك زين سيارته أمام منزل عمر لكي يتحمل هذا الأخير مسؤوليتها لأن زين غير قادر على تحمل رسم المرور وبوليصة التأمين الخاصين بالسيارة. بعد شهر، يقوم عمر بوعد زين بسداد مبلغ ثلاثة آلاف جنيه إسترليني الذي يمثل ثمن السيارة
ومن المتفق عليه في القضاء والفقه الانكليزيين أن البدل السابق ليس بدلا سليما ولا يعتد به للقول بوجود عقد ملزم
وقد خففت قضية ويليامس ضد روفي 1990
Williams Vs. Roffey 1990
من صرامة نظرية البدل بتوسيعها لتعريف “المنفعة” و “الخسارة” أقله في الحالة التي يوعد فيها شخص القيام بعمل هو ملزم القيام به قانونا. وان احدى الاستثناءات الرئيسية لاقتضاء البدل لقيام العقد الملزم تمثلت بما ابتكره القاضي دينينغ في قضية هاي تريز 1947
High Trees 1947
لمفهوم “المنع التعهدي” والذي لا يمكن الاعتداد به الا على سبيل الدفاع
ونستعرض فيما يلي (وفي المقالات اللاحقة) لبعض المبادئ الرئيسية التي تتعلق بعنصر البدل كشرط لقيام العقد
المبدأ الأول يتمثل في أنه لا يمكن أن يكون الوعد قابل للانفاذ كعقد ما لم يقدم بدل لقاء هذا الوعد. وقد تكرس هذا المبدأ في قضية كوري ضد ميزا 1875
Currie Vs Misa 1875
حيث ادعى كوري على ميزا بسبب شيك أعطاه هذا الأخير لسداد دين سابق. ادعى ميزا أن كوري لم يقدم بدلا جديدا للدين
اعتبرت المحكمة أن كوري يستحق مبلغ الدين
هذه القضية مهمة بسبب التعريف الذي أعطته محكمة الدرجة الأولى لعنصر البدل. “البدل المجدي بمفهوم القانون يمكن أن ينطوي على حق أو منفعة أو ربح يعود لطرف أو على أي امتناع أو خسارة أو مسؤولية يتحملها الطرف الآخر”
منذ قضية ويليامس ضد روفي (1991) يكتفى بمنفعة أو خسارة واقعية
ان عدد كبير من القضايا التي سنتناولها بالبحث في المقالات اللاحقة تتعلق بتعديل أو انهاء توافقي لعقد قائم والذي يتطلب عادة توافقا وبدلا ليكون ملزما
لا بد من الإشارة في الخاتمة الى أن القرار في قضية كوري ضد ميزا قد تم الاستعاضة عنه بقانون الكمبيالات أو سندات السحب
المحامي والمستشار القانوني سيريل نفاع

