
المقالة المائة وسبعة
سبل الانتصاف في حال الاخلال بالعقد
Remedies for Breach of Contract (4)
نواصل في هذه المقالة المائة وسبعة بحث المبادئ التي تطبق على سبل التظلم والانتصاف المتوفرة للطرف البريء في العقد في حال ارتكب الطرف الآخر اخلالا (أو أكثر) ببنود العقد. ونتناول في البحث بصورة خاصة المبادئ التي تطبق علاقة السببية بين الضرر والاخلال العقدي وما اصطلح على تسميته بنظرية “بعد الصلة بين الضرر والاخلال العقدي”
Causation and Remoteness of Damage
الصلة السببية
المبدأ الحادي عشر يتمثل في أن الاخلال العقدي يجب أن يكون السبب الفعلي للضرر اللاحق بالطرف البريء. تكرس هذا المبدأ في قضية كوسي ضد لونكفيست 2000
Cossey Vs. Lonnkvist 2000
تتلخص وقائع هذه القضية في أن المدعى عليه وافق على شراء ملحمة من المدعي. وفق أحد المحاسبين على مساعدة المدعى عليه في إيجاد التمويل اللازم لعملية الشراء لدى أحد البنوك. طلب البنك من المحاسب تزويده بتفاصيل عن النشاط التجاري للملحمة خلال العام الساري لغاية شهر يونيو 1991. قام المحاسب بتزويد البنك بالتفاصيل المطلوبة ولكنه استند الى معلومات قديمة شملت الفترة الزمنية الممتدة لغاية ديسمبر 1990 ولم يقم بالتدقيق في حسابات العام 1991. حصل المدعى عليه على التمويل وقام بشراء الملحمة الا أنها تعرضت لخسائر. ادعى المدعي على المدعى عليه مطالبا إياه بسداد رصيد ثمن البيع. استند المدعى عليه في جزء من دفاعه على كون المحاسب ملتزما تجاهه بموجب عناية في اعداد توقعات الربحية المحتملة للملحمة
اعتبرت محكمة الاستئناف الناظرة في القضية أن المحاسب أخل بالتزامه العقدي تجاه المدعى عليه المتمثل بممارسته العناية اللازمة في تقديم معلومات دقيقة الى البنك. لحقت خسائر بالمدعى عليه لأن اشترى ملحمة تعرضت لاحقا لخسائر، ولم يكن ليقدم على شرائها لو علم بوجود أزمة في قطاع بيع اللحوم في عام 1991. لم يكن المحاسب ملزما تجاه المدعى عليه بأن يلفته الى وجود هذه الأزمة وبالتالي فان اخلال المحاسب لم يتسبب بالضرر اللاحق بالمدعى عليه
اعتبر القاضي أنطوني ايفانز (مخالف لرأي الأكثرية) أن صلة السببية لم تنقطع لأن اخلال المحاسب حرم المدعى عليه من فرصة إعادة النظر وعدم المضي في صفقة شراء الملحمة
بعد الصلة بين الضرر والاخلال العقدي
المبدأ الثاني عشر يتمثل في أنه يجوز المطالبة بالتعويض عن الخسارة أو الضرر الناشئ بشكل طبيعي وتلقائي عن الاخلال في السياق الطبيعي للأمور أو التي دخلت في حسبان الطرفين عند ابرامهما للعقد. تكرس هذا المبدأ الأساسي والجوهري في قضية هادلي ضد باكسنديل (من أكثر القرارات دراسة وتحليلا في قانون العقود الإنكليزي)
Hadley Vs. Baxendale 1854
تتلخص وقائع هذه القضية في أن طاحونة المدعي الكائنة في مدينة غلوسستر، تعطلت بسبب كسر في عمود المرفق. تعاقد المدعي مع شاحن لنقل عمود المرفق الى مدينة لندن حيث سيتم استخدامه كنموذج لتصنيع عمود جديد. أخل المدعى عليه بالعقد اذ تأخر خمسة أيام في تسليم عمود المرفق الجديد. ما لم يكن المدعى عليه يعلمه هو أن المدعي لم يكن لديه سوى عمود مرفق واحد وبالتالي بقيت الطاحونة معطلة لفترة أطول من اللازم. ادعى المدعي على المدعى عليه مطالبا إياه بالتعويض عن الربح الفائت الناشئ عن التأخر في التسليم
اعتبرت المحكمة الناظرة في القضية أنه لا يحق للمدعي المطالبة بالتعويض عن تلك الخسائر لأنه لم يكن ممكنا (بصورة عادلة ومعقولة) اعتبارها ناشئة بشكل طبيعي وتلقائي عن الاخلال العقدي المتمثل بالتأخر في التسليم
-لو أخبر المدعي المدعى عليه، بتاريخ ابرام العقد، بأنه لا يملك سوى عمود المرفق المكسور، لكان تمكن من الحصول على تعويض عملا بالجزء الثاني من المبدأ (أي الجزء القائل بأن احتمال حصول الضرر دخل في حسبان الطرفين عند ابرامهما للعقد)
-بالرغم من تطوير هذا المبدأ في قضايا لاحقة، يبقى معبرا بدقة عن الموقف القانوني في هذا السياق
المبدأ الثالث عشر يتمثل في ان اختبار بعد الصلة بين الضرر والاخلال العقدي يقوم على تحديد ما اذا كان يمكن التوقع بصورة معقولة باحتمال حصول الخسارة من جراء الاخلال العقدي، مع أخذ علم الطرف المخل، الضمني أو الصريح، في الاعتبار. تكرس هذا المبدأ في قضية فيكتوريا لاندري (ويندسور) ليمتد ضد نيومان اندستريز ليمتد 1949
Victoria Laundry (Windsor) Ltd. Vs Newman Industries Ltd. 1949
تتلخص وقائع هذه القضية في أن المدعى عليها باعت سخانا كبيرا الى المدعية التي أدارت مغسلة للملابس. كانت المدعى عليها على بينة من أن المدعية بحاجة الى السخان لاستخدامه فورا في أعمالها. تم تسليم السخان بعد خمسة أشهر من الميعاد المتفق عليه بين الطرفين. ادعت المدعية على المدعى عليها مطالبة إياها بتعويضها عن الربح الفائت خلال الفترة السالفة الذكر (خمسة أشهر).
اعتبرت محكمة الاستئناف الناظرة في القضية أنه يحق للمدعية الحصول على تعويض عن الربح الفائت بخصوص أعمال المغسلة الاعتيادية الا أنه لم يكن يحق لها الحصول على تعويض عن الربح الفائت الذي كان بإمكانها أن تحققه فيما يختص بعقود صباغة الملابس المربحة كون المدعى عليها لم تكن على علم بتلك العقود بتاريخ ابرامها للعقد مع المدعية
المبدأ الرابع عشر يتمثل في أن السؤال يكمن في تحديد ما اذا كان رجلا عاقلا في موقع المدعى عليه يمكنه ادراك ما اذا كانت الخسارة اللاحقة بالمدعي محتمل نشوئها عن الاخلال. تكرس هذا المبدأ في قضية كوفس ضد سي. تشارنيكوف ليمتد، ذي هيرون تو 1967
Koufos Vs C. Czarnikow Ltd, The Heron II 1967
تتلخص وقائع هذه القضية في أن المدعية استأجرت السفينة المملوكة من المدعى عليها لنقل حمولة من السكر الى مرفأ البصرة في العراق. خلافا لبنود عقد الايجار، انحرفت السفينة عن مسارها مما تسبب بتأخرها عن وصولها الى المرفأ تسعة أيام وكانت أسعار السكر قد انخفضت خلال تلك الفترة
اعتبر مجلس اللوردات أنه يحق للمدعية استرداد الفارق بين ثمن بيع السكر والثمن الذي كان ليتم بيعه به فيما لو لم يحصل التأخير
-استخدم اللورد ريد عبارة “ليس بأمر مستبعد” بدلا من عبارة “من المحتمل بما فيه الكفاية”
-لا تحمل جملة ” التوقع المعقول” المستخدمة في اطار اختبار بعد الصلة بين الضرر والاخلال العقدي ذات المدلول في كل من المسؤولية العقدية والمسؤولية التقصيرية المبنية على الإهمال. في اطار المسؤولية العقدية، يجب أن يكون هناك احتمالا جديا بحصول العواقب الخاصة في حين يكفي أن يكون هناك احتمالا طفيفا في طار المسؤولية التقصيرية
المبدأ الخامس عشر يتمثل في أن اختبار بعد الصلة بين الضرر والاخلال العقدي يجب أن يؤدي الى حق الطرف المتضرر في الحصول على ذات التعويض (من حيث القيمة) سواء بنى دعواه على المسؤولية العقدية أو التقصيرية
تكرس هذا المبدأ في قضية بارسونز (لايفستوك) ليمتد ضد آتلي انغهام اند كو ليمتد 1977
Parsons (Livestock) Ltd Vs. Uttley Ingham & Co. Ltd 1977
تتلخص وقائع هذه القضية في أن المدعى عليها وردت وركبت قادوسا لتخزين الأغذية بناء لطلب المدعية التي كنت تعمل في مجال تربية الخنازير. نسيت المدعى عليها إزالة الختم عن المروحة مما تسبب بتعفن المكسرات المخصصة لطعام الخنازير والمخزنة في القادوس. على أثر تناول الخنازير تلك المكسرات المعفنة، نفق 254 منها. ادعت المدعية مطالبة المدعى عليها بالتعويض عن الخسارة اللاحقة بها من جراء اخلال المدعى عليها بالعقد وتضمنت مطالبتها تعويضا عن خسارة المبيعات وحجم الأعمال. ردت المدعى عليها بأن التعويض عن خسارة المبيعات وحجم الأعمال بعيد جدا عن الاخلال العقدي
اعتبرت محكمة الاستئناف الناظرة في القضية أن المدعى عليها مسؤولة عن خسارة الخنازير التي نفقت ولكنها غير مسؤولة عن التعويض عن الربح الفائت بالنسبة للمبيعات المستقبلية
-اعتبر اللورد دينينغ أن اختبار بعد الصلة بين الضرر والخلال العقدي يجب أن يرتكز ليس على تحديد ما اذا كانت الدعوى مبنية على المسؤولية العقدية أو التقصيرية بل على ما اذا كانت الدعوى مبنية على الضرر المادي أو على الربح الفائت.
-اعتبر اللورد سكارمان أن لا فارق جوهري بين التوقع المعقول لحصول الضرر في اطار المسؤولية التقصيرية و الاحتمال المعقول بحصول الضرر في اطار المسؤولية العقدية.
المحامي والمستشار القانوني سيريل نفاع

