سنتناول في البحث في هذه المقالة المقتضبة (أ) مفهوم التحريض على فسخ العقد على ضوء أحكام لائحة الاحتراف السعودية ولائحة وضعية اللاعبين وانتقالهم الصادرة عن الاتحاد الدولي لكرة القدم (الفيفا) قبل أن نستعرض (ب) مقاربة محكمة التحكيم الرياضية الدولية (كاس) لحالات التحريض
أ-مفهوم التحريض على فسخ العقد في لائحة الاحتراف ولائحة وضعية وانتقال اللاعبين الصادرة عن الفيفا
لا بد بادئ ذي بدء، من التذكير أن الفيفا والاتحاد السعودي لكرة القدم أدخلا مفهوم “الفترة المحمية” * في لوائحهما في محاولة منهما الى إرساء مبدأ الحفاظ على توازن العلاقات التعاقدية في عالم كرة القدم الاحترافي، من خلال التشديد على عدم إمكانية فسخ عقود اللاعبين المحترفين الا بانتهاء مددهم عملا بمبدأ الزامية العقود المعبر عنه باللغة اللاتينية
Pacta Sunt Servanda
وقد اتجهت نية الفيفا والاتحاد السعودي لكرة القدم، الذي نقل معظم بنود لائحة الاحتراف من أحكام لائحة وضعية اللاعبين وانتقالهم الصادرة عن الفيفا، الى ردع اللاعبين والنوادي عن انهاء العقود لأسباب غير مشروعة خلال وبعد الفترة المحمية، مع التشدد أكثر في حال حصول الفسخ خلال تلك الفترة لما ينطوي عليه ذلك من زعزعة للتوازن العقدي
وتنص المادة 17 (في فقرتيها 3 و4) من لائحة الفيفا على أنه، بالإضافة الى الالتزام بالتعويض، على عقوبات رياضية في حال قيام اللاعب أو النادي بالاخلال ببنود العقد لأسباب غير مشروعة، خلال الفترة المحمية
أما المادة 43 (في فقرتها 4) من لائحة الاحتراف السعودية فتنص على أنه علاوة على الالتزام بالتعويض الذي يقع على اللاعب الذي ينهي عقده بدون سبب مشروع، تطبق عقوبات رياضية على اللاعب (إيقاف لمدة 4 أشهر من اللعب في المباريات لرسمية ومع تشديد الى 6 أشهر)
أما بالنسبة للنادي، فتنص الفقرة الخامسة من لائحة الاحتراف السعودية، على أنه “يتم إيقاع عقوبات رياضية على أي ناد اذا ارتكب مخالفة انهاء العقد، أو حرض على ذلك أثناء الفترة المحمية ويعتبر كل ناد قام بالتسجيل مع لاعب محترف أنهى عقده بدون سبب مشروع محرضا على ارتكاب المخالفة ما لم يثبت خلاف ذلك…”
كما نصت الفقرة 6 من المادة ذاتها على أن “كل شخص سواء طبيعيا أو اعتباريا يخضع للنظام الأساسي للاتحاد ولوائحه (مسؤولي الأندية، الوسطاء، الإداريين، اللاعب، مدراء الاحتراف وأوضاع اللاعبين وغيرهم) يحرض أو يساهم باخلال العقد بين اللاعب المحترف والنادي من أجل تسهيل عملية انتقال اللاعب يكون عرضة للعقوبات
ولا بد من الملاحظة أن المادة 43 من لائحة الاحتراف تعكس الى حد بعيد أحكام المادة 17 من لائحة الفيفا
ونظرا لحداثة صدور لائحة الاحتراف السعودية وعدم تطرق غرفة فض المنازعات الرياضية ولجنة الاحتراف لمسألة تحريض اللاعبين المحترفين على فسخ عقودهم من قبل نواد (باستثناء ربما القرار الصادر عن غرفة فض المنازعات في قضية اللاعب محمد كنو) وبالتالي انعدام تكوين اجتهاد من قبل اللجنتين السالفتين الذكر يمكن الركون اليه لايضاح موقفهما من مفهوم التحريض، كان لا بد من الرجوع الى القرارات الصادرة بهذا الخصوص عن محكمة التحكيم الرياضي الدولية (كاس) للمساعدة على الإحاطة بتجليات هذا المفهوم على المستوى العملي
ب- التحريض على فسخ عقود اللاعبين المحترفين من قبل الأندية في اجتهاد غرفة فض المنازعات ومحكمة التحكيم الرياضي الدولية (كاس)
في أولى القضايا التي بحثت فيها غرفة فض المنازعات، التابعة للاتحاد الدولي لكرة القدم، موضوع التحريض، في عام 2005، في قضية اللاعب ميكسيس ونادي أ.اس. روما*، اعتبرت أن التحريض التي تنص عليه الفقرة 4 من المادة 17 من لائحة الفيفا ” هو بمثابة تأثير يسبب ويشجع على القيام بتصرف معين”
“an influence that causes and encourages a conduct”
وخلصت المحكمة، على ضوء وقائع القضية، الى اعتبار أن نادي أ.اس. روما حرض اللاعب على فسخ عقده مع ناديه السابق أوكسير اذ كان على بينة فعلية من أن اللاعب ميكسيس كان لا يزال يربطه عقد بناديه السابق
*DRC 1 June 2005, No. 65503
في عام 2008، أدخلت محكمة التحكيم الرياضية عناصر جديدة الى مفهوم التحريض
في قضية أولى، نقضت قرارا صادرا عن غرفة فض المنازعات، واعتبرت أن النادي الجديد لم يقم بتحريض اللاعب على فسخ عقده مع ناديه السابق، اذ لاحظت المحكمة أن محامي النادي الجديد قام باستقصاءات جدية للوقوف بدقة على وضعية اللاعب التعاقدية على الرغم من معرفته بأن اللاعب لا يزال مرتبطا بناديه السابق
في قضية ثانية، أخذت المحكمة بعين الاعتبار الجهود الجدية التي قام بها النادي الجديد لايجاد حل مع النادي السابق بعد قيامه بالتعاقد مع اللاعب ومعرفته بأن اللاعب فسخ العقد بدون سبب مشروع*
في عام 2009، أصدرت المحكمة قرارا اعتبرت فيه أنه لكي تتوافر عناصر التحريض بحسب المادة 17 من لائحة الفيفا، لا بد من اثبات حصول اخلال بالعقد وقد استقرت المحكمة على هذا الرأي منذ ذلك الحين**
في عام 2010، اعتبرت المحكمة أن التحريض من قبل النادي الجديد (وهو نادي كويتي) ثابت بدليل
“-أن النادي الجديد يلعب في ذات الدوري الذي يشارك فيه نادي اللاعب السابق وكان على بينة واضحة من وضعية اللاعب التعاقدية مع ناديه السابق، و
“-تواصل النادي السابق مع النادي الجديد بمجرد سماعه اشاعات عن انتقال اللاعب وابلاغه أن اللاعب لا يزال مرتبطا به” ***
*DRC 1 June 2005, No. 65503
**DRC 16 July 2020, Yufeng. DRC 21 September 2017, No. 09171641.
***CAS 2010/A/2196
في قضية بانغورا الشهيرة* اعتبرت المحكمة أن المعايير التالية
الوضع المالي للنادي الجديد بتاريخ تقديم العرض للاعب-
العرض المقدم للاعب-
القيمة المالية للعرض-
المستوى الرياضي للنادي الجديد-
هي عناصر يمكن أخذها في الاعتبار في تقرير ما اذا كان النادي الجديد قد حرض أو قام بالتأثير أو شجع اللاعب على فسخ عقده مع ناديه السابق
كما اعتبرت المحكمة في هذه القضية أن دور النادي النشيط في التواصل مع اللاعب على الرغم من علمه بارتباط هذا الأخير بناديه السابق، لعب دورا جوهريا في تحديد ما اذا كان التحريض قد حصل. الا أن المحكمة شددت أيضا في قرارها السالف الذكر أن النادي لا يكون مسؤولا عن التحريض متى تصرف عن حسن نية
في قضية يعود تاريخها الى عام 2014، وصفت غرفة فض المنازعات التابعة للفيفا النزاع القائم بين نادي ايفيان تونون غايار اف.سي. الفرنسي
Evian Thonon Gaillard FC
ونادي أودينيزي كالشيو اس.بي.اي
Udinese Calcio S.p.A
*CAS 2013/A/3091 FC Nantes v. FIFA & Al Nasr Sports Club ; CAS 2013/A/3092 Ismael Bangoura v. Al Nasr Sports Club & FIFA.
على أنه من “أوضح حالات الاخلال بالعقد والتحريض التي نظرت فيه الغرفة لسنوات عدة”
“one of the clearest breaches of contract and inducement at the DRC in years”.
واعتبرت الغرفة أنه لو راعى نادي تونون لائحة وضعية اللاعبين وانتقالاتهم وقام ببعض الاستقصاءات المنطقية والبديهية (عن وضعية اللاعب المعني) لتمكن من استيضاح وضعيته التعاقدية وامتنع عن تحريض اللاعب على فسخ عقده مع ناديه السابق
في عامي 2015 و2016 وتماشيا مع قرارات سابقة، قضت محكمة التحكيم الرياضي الدولية أن أفعال وعلم النادي الجديد عند توقيع اللاعب هي عناصر مؤثرة وبالتالي اذا كان النادي الجديد يعلم أو من المفترض أن يعلم (لو قام بتحريات معقولة عن وضعية اللاعب) أن اللاعب مرتبط بعقد مع ناديه السابق، فانه من الأسهل استنتاج فعل التحريض ويصبح من الصعب على النادي الجديد اثبات عكس قرينة التحريض المنصوص عنها في المادة 17 من لائحة الفيفا والمادة 43 من لائحة الاحتراف السعودية
:في قرار لها عام 2020، اعتبرت غرفة فض المنازعات الدولية أنها بعد أن تأكدت من
اعتراف النادي الجديد بأنه مهتم بالاستعانة بخدمات اللاعب، و-
عدم قيام النادي الجديد بأية استقصاءات للوقوف على وضعية اللاعب-
لم يعد لديها خيار آخر سوى اعتبار أن النادي الجديد لم يتمكن من اثبات عكس القرينة المنصوص عنها في المادة 17 فقرة 4 من لائحة وضعية اللاعبين وانتقالاتهم*
في العام ذاته، أصدرت الغرفة قرارا اعتبرت فيه أنه اذا قام النادي الجديد بمراعاة أحكام البند العقدي المختص بفسخ العقد وسداد التعويض العقدي
Buy-Out clause
واذا كان هذا البند ينص صراحة وعلى وجه التحديد على إمكانية تلقي نادي اللاعب السابق عرضا لانتقال اللاعب، فان مثل هذا الفعل لا يمكن أن يشكل تحريضا للاعب ليقوم بفسخ عقده مع ناديه السابق
:في ضوء كل ما سبق، يمكن استخلاص الأمور التالية
لا يمكن فرض عقوبات رياضية الا اذا تم الاخلال بالعقد خلال الفترة المحمية-
لا بد أيضا أن يكون حصل اخلالا بالعقد اذ بدون هذا الشرط لا يمكن أن يحصل التحريض-
لا يسع النادي الجديد اثبات عكس القرينة المنصوص عنها في المادة 17 من لائحة الفيفا اذا امتنع النادي المتهم بالتحريض عن الرد على الشكوى المقدمة من قبل النادي السابق اذ يعتبر النادي الجديد متنازلا عن حقوقه وتفرض حينها العقوبات عليه
*CAS 2016/A/4550 Darwin Zamir Andrade Marmolejo v. Club Deportivo
اذا استحال على النادي الجديد اثبات أنه تصرف عن حسن نية، سيضع نفسه في حالة حرجة فيما يختص بالقرينة المنصوص عنها في المادة 17 من لائحة الفيفا
يصبح من الأسهل اثبات حصول التحريض (على فرض توافر عناصره الأخرى) اذا كان الناديان يلعبان في الدوري ذاته-
يستفاد من قرارات محكمة التحكيم الرياضي الدولية أنه يجب على النادي الجديد قبل المبادرة الى توقيع عقد مع لاعب، القيام باستقصاءات جدية عن وضعيته التعاقدية وهذا ما يتماشى مع ما تنص عليه المادة 18 فقرة 3 من لائحة الفيفا (واجب ابلاغ نادي اللاعب الحالي من قبل النادي الجديد قبل المباشرة بالمفاوضات معه)
-نعود ونشدد في الخاتمة أنه لا بد للنادي الجديد (أو الثاني) أن يبذل عناية معقولة للتحري عن وضعية اللاعب التعاقدية قبل توقيع عقد معه لتفادي الوقوع في المحظور المتمثل بقرينة التحريض المنصوص عنها في المادة 17 فقرة 4 من لائحة الفيفا والمادة 43 فقرة 5 من لائحة الاحتراف السعودية
تتصف هذه العناصر بالمرونة وهي متحركة ومتغيرة ويمكن الأخذ بها جميعا أو بالبعض منها ويستحسن النظر اليها على أنها عناصر مساعدة للتأكد من حصول التحريض من عدمه. في مطلق الأحوال لا بد من أجل الوقوف على العناصر المكونة لفعل التحريض على فسخ عقود اللاعبين، من المتابعة المستمرة والحثيثة للقرارات الصادرة عن غرفة فض المنازعات الدولية ومحكمة التحكيم الرياضي التابعة للفيفا اذ أنها هي التي تحدد مجرى الاجتهاد في هذا الخصوص
المحامي والمستشار القانوني سيريل نفاع


